أبي حيان الأندلسي

375

البحر المحيط في التفسير

وأنه بعد موته بزمان افتتحه المسلمون في الوقت الذي عينه أبو الحكم . وكان أبو جعفر يعتقد في أبي الحكم هذا ، أنه كان يطلع على أشياء من المغيبات يستخرجها من كتاب اللّه . لِلَّهِ الْأَمْرُ : أي إنفاذ الأحكام وتصريفها على ما يريد . وقرأ الجمهور : مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ، بضمهما : أي من قبل غلبة الروم ومن بعدها . ولما كانا مضافين إلى معرفة ، وحذفت بنيا على الضم ، والكلام على ذلك مذكور في علم النحو . وقرأ أبو السماك ، والجحدري ، وعون العقيلي : من قبل ومن بعد ، بالكسر والتنوين فيهما . قال الزمخشري : على الجر من غير تقدير مضاف إليه واقتطاعه ، كأنه قيل : قبلا وبعدا ، بمعنى أولا وآخرا . انتهى . وقال ابن عطية : ومن العرب من يقول : من قبل ومن بعد ، بالخفض والتنوين . قال الفراء : ويجوز ترك التنوين ، فيبقى كما هو في الإضافة ، وإن حذف المضاف . انتهى . وأنكر النحاس ما قاله الفراء ورده ، وقال للفراء في كتابه ( في القرآن ) أشياء كثيرة من الغلط ، منها : أنه زعم أنه يجوز من قبل ومن بعد ، وإنما يجوز من قبل ومن بعد على أنهما نكرتان ، والمعنى : من متقدم ومن متأخر . وحكى الكسائي عن بعض بني أسد : للّه الأمر من قبل ومن بعد الأول مخفوض منوّن ، والثاني مضموم بلا تنوين . والظاهر أن يومئذ ظرف يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ، وعلى هذا المعنى فسره المفسرون . وقيل : وَيَوْمَئِذٍ عطف على : مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ، كأنه حصر الأزمنة الثلاثة : الماضي والمستقبل والحال ، ثم ابتدأ الإخبار بفرح المؤمنين بالنصر . و بِنَصْرِ اللَّهِ : أي الروم على فارس ، أو المسلمين على عدوهم ، أو في أن صدق ما قال الرسول من أن الروم ستغلب فارس ، أو في أن يسلط بعض الظالمين على بعض ، حتى تفانوا وتناكصوا ، احتمالات . وفي الحديث : « فارس نطحة أو نطحتان ، ثم لا فارس بعدها أبدا ، والروم ذات القرون ، كلما ذهب قرن خلف قرن إلى آخر الأبد » . وقال ابن عباس : يوم بدر كانت هزيمة عبدة الأوثان وعبدة النيران ، وقال معناه أبو سعيد الخدري ، وقيل : ورد الخبر يوم الحديبية بوفاة كسرى ، فسر المسلمون بحرب المشركين ، ولموت عدو لهم في الأرض متمكن . وهو الْعَزِيزُ بانتقامه من أعدائه ، الرَّحِيمُ لأوليائه . وانتصب وَعْدَ اللَّهِ على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة التي تقدمت ، وهو قوله : سَيَغْلِبُونَ ، وقوله : يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ . وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ الكفار من قريش وغيرهم ، لا يَعْلَمُونَ : نفى عنهم العلم النافع للآخرة ، وقد أثبت لهم